محمود محمود الغراب
28
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
لا يسعهما ، فإن قلت : هذا يمكن أن يصح في حب المخلوق ، وأما في حب الخالق فلا ، فإنه قال يُحِبُّهُمْ فأحب كثيرين ، قلنا : الحب مجهول النسبة إلى اللّه تعالى ، فإن اللّه ليس كمثله شيء ، فلا يعرف نسبة الحب إلى الحق إلا من يعرف ذات الحق ، وهي لا تعرف ، فلا تعرف النسبة ، وتعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهم ، وبما يعرفونه من لحنهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ، ولكن كيفية ذلك مجهولة ، وأما قولنا : إن الحب لا يقبل الاشتراك ، ولكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم ، فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق حبها بوجوه مختلفة ، ولكن لأمور مختلفة ، وإن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة واحدة ، أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه ، فتتعلق المحبة بكثيرين ، فيحب الإنسان محبوبين كثيرين ، وإذا صح أن يحب المحب أكثر من واحد ، جاز أن يحب الكثير الواحد ، كما قال أمير المؤمنين : ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكل مكان هنا سر خفي في قوله عناني فأفرد ، وما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنة مختلفة ، فدل أن هذا المحب وإن كان مركبا ، فما أحب إلا معنى واحدا قام له في هؤلاء الثلاثة ، أي ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن ، والدليل على ذلك قوله في تمام البيت « وحللن من قلبي بكل مكان » فلو أحب من كل واحدة معنى لم يكن في الأخرى ، لكان العنان الذي يعطى لواحدة غير العنان الذي يعطى الأخرى ، ولكان المكان الذي تحله الواحدة غير المكان الذي تحله الأخرى ، فهذا واحد أحب واحدا ، وذلك الواحد المحبوب موجود في كثيرين ، فأحب الكثير لأجل ذلك . ( ف ح 2 / 335 ، 329 - مسامرات ح 1 ) الحب يعمي ويصم : واعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه ، بحيث أن يصمه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه ، ويعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه ، ويخرسه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه وذكر من يحب محبوبه ، ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه ، ويرمي قفله على خزانة خياله ، فلا يتخيل سوى صورة محبوبه ، وإلا فليس بحب ولا صاحبه بمحب ؛ فإن الأصل في المحبة أن تكون أنت عين محبوبك ، وتغيب فيه عنك ، فيكون هو